فخر الدين الرازي
211
الأربعين في أصول الدين
مفهوم مبدأ التخصيص بالإرادة . وسمينا مفهوم مبدأ الايجاد بالقدرة . وأما السؤال الثالث . فجوابه : انا سنقيم الدلالة على أنه تعالى خالق لجميع أفعال العباد ، وإذا كان الأمر كذلك ، بطل تعليل أفعال اللّه تعالى بالحسن والقبح ورعاية المصالح . وأما الفلاسفة . فقد احتجوا على نفى كونه تعالى مريدا بوجوه : الشبهة الأولى : ان كل من قصد إلى ايجاد شيء ، فلا بد وأن يكون تحصيل ذلك الفعل أولى في علمه واعتقاده من تركه . وكل من كان كذلك ، كان قبل ذلك الفعل ناقصا ، ويصير مستكملا بسبب ذلك الفعل . وهذا في حق اللّه تعالى محال . أما بيان المقدمة الأولى - وهي : أن كل من قصد إلى شيء ، فلا بد وان يكون ذلك الفعل أولى في اعتقاده من تركه - فالدليل عليه : أنه لو لم تحصل هذه الأولوية في اعتقاد ذلك الفاعل ، لكان الفعل والترك بالنسبة إليه سيان . ولو كان كذلك امتنع كونه مرجحا للفعل على الترك . لأن حصول الترجيح بدون المرجح محال . وأما بيان المقدمة الثانية - وهي أن كل من كان وجود ذلك الفعل أولى به من عدمه فهو ناقص - فدليله : أنه إذا فعل ذلك الفعل ، حصلت تلك الأولوية ، وإذا لم يفعل لم تحصل . فكان ناقصا بذاته ، مستكملا بغيره . لا يقال : لم لا يجوز أن يقال الفعل والترك - وان استويا بالنسبة إليه - الا أن الفعل أصلح للغير من الترك ، وهذا : الفاعل يرجح الفعل ، لا لأنه أنفع له ، بل لأنه احسان إلى الغير وايصال للنفع إلى الغير ؟ لأنا نقول : الاحسان إلى الغير وتركه ان استويا بالنسبة إليه ، امتنع الترجيح ، وان لم يستويا ، كان الاحسان إلى الغير أولى